ميدان الرماية

كيف تتحول الحكايات لحكاية أضف تعليق

. وراء الإضاءة الغامضة ، وراء اللمعان الخاطف … رعدت السماء ، فانطلق على غير هدى . ربما وقف على قائمتيه الخلفيتين و صهل ذلك الصهيل الذي يعلن حبه للحياة ، ربما تألقت عيناه بذلك المزيج الطاغي من الرعب و الدهشة ، فود لو أنه يمتطي الريح …عندما عدتَ دونه آخر الليل ، فتحت لك أم العيال ، كانت الريح الصرصر قد أكملت سيطرتها حتى على الفجوات الصغيرة …نام إلى جانبها . التصق بها . كانت دافئة . و لم يكن ثمة سوى انتظام تنفس الأولاد هنا و هناك كانوا مستغرقين في النوم ..طوقته زوجته بذراعيها . ما الذي يجعل الحياة تدب في جسد هذه المرأة التي لم تستيقظ الرغبة في أعماقها منذ زمن طويل ؟؟؟كم قتلتني الحاجة إلى الدفء في تلك اللحظة كم حاولت أن أكون الحصان الذي يقف على قدميه و يصرخ صراخ الحياة … إلا أنني … كأنما جردني الإعصار من كل طاقة و رغم ذلك فإن المرأة لم تكف عن تطويق جسدي بذراعيها و عندما طال و طال صمتنا سألتني : أين الحصان ؟سألت كأنها تسأل عن أحد أولادها ، أجبتها أنني لم أجده - أبو العسل ! كيف تنام و حصانك ضائع ؟؟ ماذا يفعل في مثل هذا الجو الجارح ، إنه لا يقوى حتى على البكاء و لا يستطيع أن يستغيث …!!! حينما أصبح الصباح ، لبست كيس الخيش على رأسي و اندفعت أشق طريقي عكس تيار الريح كأنني أسير فوق الأسلاك الشائكة ، كأنني أجر خلفي حجر طاحون ثقيل كنت آن ذاك أحلم بشمس تشرق فجأة ، شمس تسطع على حين غرة تضيء المكان يتنفس تحت إشراقها الإنسان و الدواب و الحشرات .. لكنك لا تستطيع أن تحلم أكثر من لحظة واحدة أو لحيظة ، ففي هذا السهل المنبسط أو المنحدر لا أدري ! تجد نفسك في ميدان رماية للريح و ذرات الرمل و الخوف من المجهول …كم هو مرعب أن تجد نفسك فجأة في مأزق ، ليس هناك من يغيثك ، ليس هناك من يسمعك مهما علا صوتك ، ما أصعب أن تموت في هذا النهار الكرب ، ما أصعب أن تموت لسبب أو لآخر فلا يجدون جثتك إلا بعد أيام و قد تعفنت !!خطرت ببالي كل هذه الأفكار المرهقة ، كل الأفكار الشريرة و في لحظة من اللحظات هجم علي خوف ثقيل . في لحظة من اللحظات قررت أن أعود من حيث أتيت و عند ذلك لم أعد أعرف الاتجاه الذي يتعين علي أن اسلكه !!!بدأت أرتجف . تسلل الخوف من قمة رأسي حتى أخمص قدمي . عند ذلك أية قوة تلك التي دفعتني للعودة من حيث أتيت ؟؟؟ عندما وصلت كان العرق يتصبب من جبيني ، كنت أرتجف…كان الحصان الهرم قد عاد !! أين كان و كيف جاء ؟؟كان كسيراً مثخناً هزيلاً يعلو جسمه الغبار و ذرات الرمل . كان العرق أيضاً يغمر رقبته و تسيل الدموع من عينيه من منا كان الأبكم ؟؟ من منا كان قلبه يبكي ؟؟من منا أشاح بوجهه عن صاحبه كي لا ينفجر بالنشيج ؟؟ نشيد الحياة / رواية الطبعة الأولى / دار الحقائق 1985يحيى يخلف

2 عدد التعليقات على “ميدان الرماية”

  1. sunset يعلق:

    “من منا كان قلبهُ يبكي”
    كلانا أتقنا البكاءْ
    أتقنا التعبَ والحزنَ والعناءْ

  2. alfhrs يعلق:

    ربما صديقتي أقول ربما
    لأن الحزن لا يحتاج إلى تعب
    الفرح أصعب لذلك أجمل
    أقول : ربما
    رب ما
    شكراً لك دائماً تشرقين

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع الفهرس © 2009 WP Theme & Icons by N.Design Studio
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | تسجيل الدخول
FireStats icon Powered by FireStats