بماذا أخاطبك … كل أسمائك صعبة ،والشعر خارج اسمك سلة لا تنفع لمياه البحر .جميل أن يكون كل شيء شبيه بك من المجرة الكونية وحتى حبة الزيتون، وأنت بأسماء صعبة تنبت في أفواه الأطفال الرضع …لدرجة لا أعرف الآن من أخاطب بك …لتكوني مثلا أم أيمن :
جبهة بطبقات العمر المتعدد ، كتفان اعتادا الوضعية ذاتها منذ أن اعتاد العنق ذلك ، عيون تناسب انحناء العنق لتغطي مساحة طريق لا يزيد عن طول الظل .. تتفحص الأرض منذ أن كان الإنسان يمشي على أربع قبل أن ينتصب وتتحرر يداه ليأكل ويشرب ويتقيأ ..ليضاجع ويقتل ، ليكتب ويحرق ما يكتبه الآخرون1 .. هذه الانحناءة ظلت رغم خروج واحد من صلبها ليقود العالم .. كانت أم أيمن ترفضه وتنكره وتدعي أنها أرضعته فقط وحين نسألها عن ولدها الذي أنجبت يومها حتى تحولت لمرضعة تعتد بشموخ المجانين أنها ليست بحاجة للإنجاب حتى تصبح مرضعة ، مائها كانت تقول: ليس حليباً إنه عصير العنب وبعض قطرات من زيت الزيتون ، وعندما تلاحظ أن اتساع العيون زاد عن حجم الجوع في الأفواه الفاغرة .. تعقّب : كلهم أبنائي .. إنهم أبناء الحياة _ إذاً حياة هو اسمك ؟ لم تجب … وأحياناً تقول أن اسمها صعبْ ، صعبٌ على الذاكرة ،..صعبٌ على الشعر … بماذا أخاطبك ؟ ما رأيك ؛ بأم العاصي …” الخارج من صلبها لا يشبه ما أرضعته ، لا يشبه شيئاً من مفردات الإنسان النيوليتي الأصيل … أقسم يا أم العاصي بإغلاظ الأيمان وأرفعها أنك لست أمية …- في الجيولوجيا علمونا أن أمية الصخر هي المادة الجامعة لحباته- .. إذا كان الأمر كذلك فأنت أمية أما أن تكوني بلا قراءة أو كتابة ، فهذا أمر أحتاج فيه لجهد الجبال في الوقوف حتى أستطيع التصديق … . لا أحد يعرف كيف أخذت أم العاصي صدارة المصاطب أمام عيون الماء والبيوت، وكيف بدأت تأخذ دورها في توزيع الأعمال على نساء العالم كله ، وكيف أخذت تؤمن الأعمال للشباب وإرسالهم للكليات الحربية كما لا يعرف أحد كيف همُّشت أم العاصي عندما لم يصبح باستطاعتها توظيف أحد ، كانت حجتها أن على الشباب البقاء هنا ، فكلّهم إما ذهب في البحر أو ذهب للعاصمة ، لكن الأمر الذي لم تستطع تبريره هو توزيع الأطفال الرضّع ، فعندما يمر الأهل ليأخذوا التمائم والقوارير المعبأة بزيت الزيتون كانت تعطي لكل طفل اسمه في الحكمة ، واسم مرضعته واسم الولي الذي يحرسه .. يتمتم الأهل المباركة ، يخفوا قوارير الزيت في قماط الصغير وهم خارجون … بعضهم برر أن أم العاصي أصابها الخرف ..لكنها لم تحتج لعقلها قط .. كانت تتعامل مع الأطفال خاصةً بفطرة الذئاب . أم أيمن لم تكذب حين أخبرتنا أنها ليست بحاجة للإنجاب حتى ترضع ، فماءها لم يكن دماً فاسداً كان فعلاً زيت زيتون زاد في حجمه على عصير العنب المعتق … يخرج مرة كل شهر أو كل فصل أو كل سنة كما قالت بعض النساء … رغم أن أم أيمن لم تعترف إلا باليوم لأنه التقويم الطبيعي الذي لم يستطع البشريّ تجاوزه أما باقي التقاويم بدءاً من الثانية وحتى الأحقاب فهي تقاويم بشرية الصنع ، حتى الشهر لم تربطه بأي حادث طبيعي مما جعل بعض النساء يقلن أن ماء أم العاصي لم يخرج حتى وافتها المنية …، هذا القول كانت رائحة أبو أيمن تكذبه عقب ليلة نومه مع أم العاصي كانت رائحة النبيذ تملأ المكان كأنه نام في جرة خمر أو كأنه شجرة زيتون متنقلة ، وكانت رائحة الشهوة تلجم أبا أيمن الأمر الذي جعله رهن أم أيمن من حيث وعى متأخراً فدفعه ذلك ليهمشها، وقد قيل أن بداية التهميش بدأت منه حين رفض أن يناديها باسمها … قيل أن الإنسان اقترف الكلمات ليتحرر من الصمت!!!قيل أنه ورث الأسماء مع الخطيئة الأولى ؟لم تحتج أم العاصي إلى وقت كبير حتى عادت مرة أخرى إلى أحاديث النهار …فماؤها لن يحتاج وقتاً حتى يظهر مرة أخرى في الأصلاب الفتية التي سعت لإيجاد عمل لأم العاصي .. أحدهم يحضر لها ثياباً بحاجة للنظافة قد يكون اسمه “اسمي ” وآخر كان يعيد الثياب قد يكون اسمه “اسمك ” … أسماء كثيرة ستبقى طي الكتمان حتى تتم قراءة هذه -المخطوطة أو المطبوعة – هذه الأسماء ؛ سمتك أم الأسماء أم الأسماء كان ذريعة هشة استغلت لتهميشها ، فقد ظهر خلاف آخر صعّده علماء الأديان من جهة والخواء من جهة أخرى قيل : لله الأسماء الحسنى …قلنا : له الأسماء الحسنى من كل الأسماء !قيل : هل تقصدون أن لأم أسمائكم هذه أسماء أكثر مما لله؟ هذا الجدال كان محور أحاديث الأيام الثلاث التي تعطى لمن يريد التوبة … ثم أعلنت أحكام الردة لكل من لا يتبرأ من أم الأسماء أو لا يسبها على المنابر و المذابح … استمرت الحملة حتى أصبح لها من الفتيان ما يقل عن التسعة وتسعين اسم ! خلال هذه الفترة استمرت أم الأسماء في تطهير الثياب و لم تنتبه إلى إصبع بنصرها الأيسر الحاوي على محبس زواجها من أبي أيمن … هذا المحبس زاد كمية الرطوبة في بنصرها فانتبجت الإصبع وازدادت بياضاً وربما كانت المرة الأولى التي تخرج فيها أم أيمن عن هدوئها إذ لا يعقل أن تحوي هذه الحلقة المفرغّة على كل القيم والمفاهيم الاجتماعية ؟قررت أم الأسماء قطع البنصر من حد المحبس ورمته للأزهار كي تأكله … هذا ما جعل الجميع ينادوها بأم الأيسر… وليتهم لم ينادوها به ، فاليسار أصبح سمة للمعارضة ، وهذه السمة تزامنت مع ظهور معارضة ! ومن صلبها !! … . بدأت حملة ككل الأساطير ضد كل من أرضعته أم الأيسر فالمنجمون قالوا ـ الحقيقة أن الدول العالمية قالت ـ : أن من يحكم هذه البلاد سيكون ممن أرضعته أم الأيسر . ليس صعباً أن تعرف السلطة الأطفال الجدد فكل اسم ينتهي ب “لا “ هو اسم لبشري أرضعته أم الأيسر[1] هذه الحملة استهدفت كل المحيطين بها أما هي فالمهم بالنسبة لهم تهميشها لا موتها فموتها يعني ظهور اسمها مرة أخرى ولو على أوراق النعوات !اسمها الذي اختفى عندما طلب العاصي هويتها من أبيه ليلتحق بالعسكر و تخلص منها … لم يعبئ بتاريخ ميلادك … كل الأعوام مهمة وحتى تاريخ ما قبل ميلادك وسنين حياتك ، سأسميك أم السنين ، السنة التي استأصلوا فيها الغدة و سنة بيت الرحم و سنة الزائدة ، عملية للقلب ، وتركوا حجارة تنمو في المرارة كانت تقول أن جسدها أصبح خريطة للعمليات ، أصعب العمليات كانت الولادة رغم إيمانها أن خلقت لتنجب وتعطي … سأسميك أم العطاء .. ولأن أبناء مدينتي يهملون الهمزات سيتناقلون اسمك أم عطا سأسميك أم الورق وأم الشجر والجبال والأوتاد سأسميك أم المداد والبحر والكلمات كلها … سأناديك بالأحرف الأربعة الأولى من اسم مدينتي . اللاذقية في 2001
1 وحتى بعد أن انتصب عاد ليمشي على أربع عندما سجد لأول صنم وضعته قوة داخلية أو خارجية
- [1] هذا بسب أن كل طفل كان يُخلق يعمّد خلسة بماء أم الأيسر ثم يؤخذ إلى دوائر الدولة ليسمى ب”لا” لكن الموظف الحكومي على الرغم أن أم الأيسر أرضعته إلا أنه كان يرفض تسجيل المولود بهذا الاسم ولم يفضل أي صدام مع السلطة ما لم تتوفر القاعدة الشعبية ، لذلك كان يضيف حرفاً واحداً إلى هذا الاسم . حرف فقط سقطا من اعتباره هو الباء .
أحدث التعليقات