ليس المهم بالنسبة لي أن المطبعة كانت محرقة و لم يتبقى منها إلا الباب العالي و الجدران المتصدعة و ظلام لم يحافظ على تجانسه … فهي ليست المرة الأولى التي تغلق فيها السبل في وجهي ، مرة راسلت إحدى المجلات بهدف نشر دراسة عن الدكتور كمال خير بك و بالفعل تم النشر لكن المجلة أقفلت ! تكررت الحالة مع صحيفة أخرى لكنها هذه المرة لم تدخل البلد أو أنها أقفلت كذلك … و هكذا عندما سعيت لأقابل الدكتور هاني الراهب قابل ربه ! هناك كاتب آخر أهدر دمه فاختفى مع مخطوطات أرسلتها له ، رغم ذلك كنت محكوماً بالبحث ، لذلك شاركت بكل المسابقات القصصية و كنت في كل مرة أجد شيئاً بحاجة للتعديل و كنت بنفس الوقت أبحث هنا أو هناك حتى دلني صديقي على
مطبعة قال أنها تتبنى الأقلام الشابة و تحاول كسر قرصنة الصحافة و القضاء على فيروسات أصابت نظام مناعتنا بلوثة التخريب ، المهم أني عندما وصلت ظننت أن أصحاب المطبعة أرادوا الحفاظ على الطابع الخمسيني للعمارة الدمشقية … طرقت الباب طرقات خفيفة لم أكن أعلم أنها كافية لفتح هذا الحصن !! كانت رائحة الطين المشوي تشترك مع رائحة الحطب في إصدار حكم بإغفال هذا الحيز من الوجود ، القاعة واسعة عالية الجدران مطلية بآهات الخشب ، أكياس من حروف رصاصية مركونة كيفما اتفق ، بعض الحروف ذوبتها النيران فأخذت شكل معرض لنحات مبتدئ ، أحرف سقطت من منضدة مهترئة الأطراف حاولت تركيب كلمات منها : الحقيقة ، وجود ، معرفة ….راقبت الضوء الخافت بنظرة فارغة تشبه نظرة ثعبان فوجئ بمقاس حذاءه الجديد ….مشيت بين الأكياس الرصاصية و وقفت أمام المنضدة التي اصطفت عليها أحرف استعداداً للطباعة ، ضغطت على سطر منها ، طبع الرماد على اصبعي عبارة ” المعرفة قوة … ” قررت الخروج و أنا امسح إصبعي بين السطور ، فارتطمت بورقة و مزقت طرفها .. كانت ورقة محشورة بين الأسطر ، حملتها معي و خرجت ..ورقة صفراء بلون الزمن ، مكتوبة بخط فارسي منساب ، أصاب العث بعض أجزائها و آخر طمسها حبر أسود و أحد سطورها كان منحوتاً … مازال هناك متسع من الوقت لنقوم بالتعويذة الجديدة ، قالت الورقة في سطرها الأول متسع من الوقت ؟ هل ضاق الوقت الآن ؟[1] لكن لكي أحافظ على قيمة الورقة و أستطيع أن أقدم نفسي لكم من خلالها سأقول أن الزمن أمر نسبي ، تقول الورقة ما يلي :مازال هناك متسع من الوقت لنقوم بالتعويذة الجديدة ، يلزمنا الكثير الكثير من عرق الفلاحين و القليل القليل من ……[2] الكثير الكثير من ما بقي تحت أظافر العمال و القليل القليل من شعر العان ….[3] المختبئ بين شوارب فحولنا الكثير الكثير من لعاب الأطفال النائمين و القليل القليل من طموح السياسين الكثير الكثير من كتب أُتلفت و القليل القليل من مديح شعراء البلاطالكثير الكثير من رضا العجائز و القليل القليل من ملل الملوكالكثير الكثير من غبار الثوار أو خيط قصب من عباءة سيف الدولةجذر يابس من نبتة تبغ سوريانية[4] أو سنبلة قمح من قربان هابيل[5]خشبة قارب بقيت في يد بحار أخذه الزبد أو جمرة من آخر ثورة وطنيةالصدى السابع لصرخة علقت على قضبان سجين ( )[6] أو حبة عرق بقيت على عصا جريح حرب سلامية سبابة لجندي رفعها علامة النصر أو أغنية بقيت في ناي راعي يلزمنا ناب أسد أصابه التسوس و شعرة من ( ….. ) السلطة[7] دمعة قنبلة سقطت على دمية كان يحتضنها طفل نجمعها و نرميها في نهر يرفض اختلاط دمه بالمحيط المالحبهذه التعويذة الجديدة ستنهض بلادنا النائمة كأميرة مسحورة ( أو ) علينا بقبلة يطبعها فتىً آذاري على فمها ، لكن يا بلادي الجميلة كضوء على كتاب اتكئ بين يدي شاعر ألم تهمسي و لو لمرة واحدة على الأكثر أين نجد فمك ؟ بهذه العبارة ختم كاتب التعويذة تميمته .
[1] - عرفت فيما بعد أن المطبعة أحرقت قبل نصف ساعة من اغتيال العقيد المالكي في الخمسينيات من القرن الماضي
[2] - الجزء هنا مزقته إصبعي
[3] - أصاب الجزء هنا حبر المطبعة
[4] - نسبة إلى سوريانا وهي بالتأكيد ليست سوريالية – الناقل -
[5] - هذا هو السطر المحفور على الورقة
[6] - أملأ الفراغ بالكلمة المناسبة – ناقل الكفر ليس بكافر -
[7] - الفراغ هنا أصابه العث
أحدث التعليقات