مقدمة لا بد منها انتهى زمن القطيع و بدأ زمان الجماعة المدركة الحرةبهذه العبارة أعلن الثائر عن ثورتهفشلت الثورةو مازال زمن القطيع مستمراً
” الاسم “( خنخون : في قرية كف ريا يسمى المولود بالصغير أو ابن فلان حتى يأخذ اسمه من حدث أو صفة أو مكان أو زمان و كأنهم يرمون إلى النمذجة الحديثة في اللغة ، فهناك لا تستغرب وجود اسم ضحكة أو اسم ” يوم “ أو سكرة أو يخزي العين أو قالوش …. خنخون سمي كذلك لوجود خنة في صوته ) ( كنكون : سميت بالصغيرة أو ابنة المهاجر حتى بعد أن تجاوزت الخمس سنوات و لم يظهر ما يمكن أن يميزها بالاسم ، أخذوها للشيخ فخري الذي أجرى حساباته و قال : اسمها المدون في الحكمة هو ” كنار ” و لأنه اسم الحكمة عليكم الاحتفاظ به و لا تقولوه إلا لزوج المستقبل …. لذلك اكتفى أهلها بـ كنكون اسماً للنداء ) إذاً بدأنا بحكاية الاسم و قلنا أن للاسم حكاية ، لكنها ليست حكاية عادية ذات بداية و نهاية حكيمة ، أو أنها حكاية فترة زمنية جرى فيها حدث نود نقله إليكم أو حكمة نرغب أن تستخلصوها من وراء سرد ما ياتي لذلك لا تنتظروا نهاية حدث أو أحداث هذه الحكاية … إن هي إلا رصد لنمط معيشة أهالي ” كف ريا ” التي لم تبدأ بولادة خنخون أو مجيء كنكون و أهلها بعد الاجتياح اليهودي لمدينة القنيطرة و استوطنوا أرضاً مشاعاً أحضروا عدة البناء و الأهم أحضروا الرملالريحكان خنخون يحمل علبة حلاوة فارغة ، يجلس و كنكون على كومة الرمل ليبدآ بناء مدينة مازالت في ذاكرة كنكون ببيوتها وطرقها وترتيبها ، ثم يتسابقا في هدمها كما تسعفها ذاكرتها كذلك …في أيلول كانت الريح تذرو حبات الرمل و لم تدع أياً منهما سبّاقاً للهدم و التدمير … رمى العلبة _ تعالي نركضكانت الريح قوية ليشعرا بسهولة الركض ، و رقيقة كي لا تطيح بهما … لكنهما ركضا عكس الريح … سقطا على كومة الرمل ، أشعلت جلبة الوقوع مصابيحَ الغرف القربية ، أزيحت الستائر ، اخرجت أم علي زيفة رأسها من النافذة ، ولولا الريح التي داعبت شعرها ذلك الأشيب المهمل ، لكالت لهما سيلاً من الشتائم لا تقف عند حد الآباء فقط .سألها أخوها : ماذا يحدث ؟ قالت بصوت لم يسمعه : منذ متى يترك الأهل فتاة صغيرة لهذا الوقت المتأخر … عندما أطالت الوقوف اقترب أخوها من النافذة ،و إذ أراد أن يصرخ عليهما ، لجمته أم علي : لو لم تكن برجل واحدة لما تركتهم يسبقوك ..حقيقة الأمر أن الشيخ يوسف ليس برجل واحدة ، لكن الرجِل المقصودة كانت تلك التي رغم أنه بدّل لها المفصل الوركي بقي الألم يحبسه داخلها - تعرفين أني لست برجل واحدة- لماذا لا تمشي مثل البشر ؟ لو لم تكن برجل واحدة لما تركت المشيخة للشيخ عبد الله- لست برجل واحدة ، لكنك لا تري الأمور إلا من زاوية واحدة ، بنظرة واحدة .. لدرجة لا أعلم لماذا خلق الله لك عينين ؟! كانت تكفيك عين واحدة … هكذا تستطيع بعض التفاصيل من حكاية خنخون و كنكون الإضاءة على ما يحدث في المنحدر الغربي لسلسلة الجبال الساحلية ، فالشيخ يوسف كان أكثر حكمة عندما رأى أول فلاح يرسل ولده للدراسة في المدينة والآخر أرسل ولده للكلية الحربية ، ولأن الشيخ كامل استدعى أحد الفلاحين لمنع ولده من دراسة الطب بينما ولده الدكتور سليم يدرسها مما أدى لردة فعل سلبية على الشيخ كامل الذي سمي لاحقاً ” الطبل ” فلم يكن من خيار أمام الشيخ يوسف إلا الشيخ عبد الله فانتظر حتى جاء عيد الفطر و قدّم الشيخ عبد الله ليؤم الجمع في الصلاة … ثم تركه لمواجهة المعلمين و الضباط و أصحاب الشهادات ، و خرج الشيخ يوسف أباً للجميع !! تاركاً الشيخ عبد الله على شفا حفرة من النظام الجديد !! المللربما لست بارعاً في نقل جو الملل المحيط بالقرية ، فكثرة الجالسين أمام البيوت[1] ، مراقبة القادمين و الذاهبين و التثاؤب [2]، السعال المصطنع سواء كان خارج البيوت أم داخلها ، ربما تشكل دليلاً على البلادةيمكن أن نجد مثلاً ” البُحة ” تحضّر العشاء لأخوتها الخمسة عشر ساهمة في استعراض شريطها السنمائي المعروض على شاشة ذاكرتها … و يمكن أن نجد ” الأشيب ” يعتني في درج لفافات تبغه و ترتيبها ، مرة حسب الثخانة ، مرة حسب الطول ، …. و مرة …… سأل و هو يشعل إحداها - أين كنكون ؟- تلعب … أجابت ” البحة ” خرج ليواجه الريح و ضحكات خنخون و كنكون – ولك خنخون ، هل أنهيت دروسك ؟ ثم أردف ساخراً قل لأبيك أن يعلمك الحساب افضل من أحسب أن الله لم يخلقك …في الداخل اشترك الأهل في التأنيب بينما كان الغبار و الرمل جواب كنكون التي دخلت كالخجل … الجلدة في الأيام اللاحقة صار هم الأشيب و اخوته إنهاء كومة الرمل أكثر من إنهاء البناء لكن مع انتهاء كومة الرمل المتجددة أحضر ” الحبيب ” معه ” جلدة[3] ” من المدينة عشرون عاماً و جدته تقول له : إلى متى يا صغيري ستبقى تركض وراء الجلدة ؟؟!!؟؟- حتى أصل للمرمى - و أين يقع هذا ” المرمى ” ؟- على الطرف الآخر من البساط الأخضر ، تنظر الجدة بألم و عطف و هي ترى أن البساط الأخضر لا ينتهي لو سألت أي فرد في القرية عن عمار اللاعب الوطني الشهير لما عرفه أحد إلا إذا قلت ” الحبيب ” رغم محاولات الجميع التي دأبت لتسميته بلاعب الجلدة بهدف دفع الأطفال عنه ، و الجميع أقصد الشيخ عبد الله و الشيخ كامل و الأستاذ أبو حبة و الاستاذ أبو عصا و أم علي زيفة و أم علي مريشة و أم علي أمون و أم علي غسان و أم علي و أم علي و أم علي ….إلا أن الحبيب بقي اسمه و بقيت الجلدة معولاً يحرث العقول المسطحة و البيادر البور ، فيما نوافذ البيوت و أسطحتها صارت مدرجات ترتقب أن ينتصر الأطفال الجدد على صغار القرى المجاورة .في المدرسة عندما دخلت كنكون المدرسة كان خنخون قد سبقها بثلاث سنوات وقتها لم يحسب الأشيب لشيء لأن خنخون كان يلعب الجلدة مع الحبيب ، و لكن حكاية الحبيب كانت أكثر من شخص يهوى الجري وراء جلدة ، فقد كان يجمع الأطفال تحت شجرة الزيتون الكبيرة و يتابع لهم دروسهم كما أنه يستطيع القراءة كذلك !! و كان الأطفال يحضرون الكتب للحبيب و توزيعها يعتمد عليه ، فمن لم يحفظ دروسه أو يحافظ على كتبه يحرم من اللعب و من لم يلعب يشعر أنه فقد رجليه و إلا ما فائدة الرجلين دون جري ؟؟؟!!! الاجتماع جلدة الحبيب دفعت عنان آغا بطلب انتقال الحبيب إلى النادي الذي يقدم له الدعم في الدوري الكروي ، لأجل ذلك كان هناك اجتماع في بيت الشيخ يوسف ،كان مكان الاجتماع كافياً لتبذل أم علي زيفة كل جهدها في سبيل نجاح هذا الاجتماع فأولمت و أطمعت و وزعت … خارج هذا الاجتماع لم تنجح إجراءات منع الأطفال من اللعب فاضطر الآغا لشراء كرة لكل بيت و حلّت الأسطح مكان البيادر بينما بقت المدرسة الإمكانية الوحيدة لخروج الأطفال ، لذلك كان الحبيب يقذف كرته فوق جدارها ، يتسلقه ، يلاعب الأطفال ….نحت الحبيب مكاناً لرجليه ليستطيع تسلق الجدار الذي صار ضعف طوله السابق .. فأصبح بإمكان الأطفال الخروج كذلك … قدم الآغا خدمة أخرى للمدرسة و جعل فيها شاب ظاهره يقوم بتقديم الشاي و القهوة مجاناً للمدرسين أما باطنه فهو حماية الأطفال من الحبيب و جلدته الوطنية و كتابة التقارير لعنان آغاكفن كان الحبيب يحدث عمته عن أحلامه لكنها لم تتركه يكمل - و هل نحن بقدر الدول التي تريد أن تلاعبها ؟ … نحن قرية صغيرة ليس لنا إلا ما يخرج من موسم الزيتون ، و أنت لا تذكر شيئاً إلا الوطن و علم الوطن … هل تستطيع أن تخيط ثوباً من علم الوطن ؟؟- قاطعتها الجدة : لم أكن أعلم أن كتلة الأقمشة التي حشوتها ستجلب كل هذه المصائب ، يا بني نحن عائلة صغيرة ليس لنا كرامتنا ، قاطعها الحبيب لينهي حديثاً سمعه ألف مرة - ماذا قال ؟ سألت أم علي زيفة …- قال : ما معنى الكرامة يا جدتي ؟ … - هذا السؤال انتقل من أم علي وديعة إلى أم علي زيفة و منها للشيخ يوسف و من الشيخ إلى الاجتماع الثاني و من الاجتماع الثاني على البيوت ، و في البيوت بقي في السهرات ، و في السهرات سمعه الأطفال فحفظوه …رغم أن المنطق كان بجانب الحبيب إلا أنه خضع لإجماع القرية لأنه حزن عندما حلّت الريح مكان الأطفال و لسبب ضمني آخر ” يريد أن يكمل دراسته “في نفس الوقت الذي هددت في أسطحة البيوت الطينية أن تسقط على رؤوس أصحابها من كثرة ما لعب الأطفال عليها !! إن رؤية الفوضى التي أحدثها الحبيب تبعدك تماماً عن المناقشة ، تبتعد و تغني للفوضى .أما المناقشة مع الطرف الآخر فما عليك سوى سؤال أي فرد من هذا الطرف مهما كانت اهتماماته أو عمله أو حتى شهاداته ” إنها الفوضى “الكل حفظ هذا الدرس و نسوا سؤال الأطفال الجدد - ما معنى الكرامة يا …… جدتي ؟المهم أن ما بقي من حكاية خنخون و كنكون ….. هو خنخون و كنكون …..
[1] - و النائمين كذلك
[2] - قد لا تجد عجباً من رؤية العجائز أمام البيوت لكن رؤية الشباب عجب ، والأكثر عجباً رؤية الأطفال !!!!!
[3] - كما سمتها عمته أم علي وديعة ..
أحدث التعليقات